هلال بن محسن الصابي

128

الوزراء

حلف وحلفت بها على الشرائط المقدّم ذكرها . وقال لي بعد ذلك : لعنك اللّه فما أنت إلّا إبليس ، واللّه لقد سحرتنى وعظمت مع ذلك في نفسي ، وخفّفت ثقلا عن قلبي ، ولعمري إن المقتدر باللّه لا يفرّق بين موقعى وغنائى وكفايتى ، وبين أخسّ كتّابى مع الطمع الحاضر والمال المبذول ، فليكن ما جرى منطويا . فقلت : سبحان اللّه . فقال : إذا كان من غد فادخل إلى مجلس العموم لترى ما أعاملك به . فقمت وقال : يا غلمان ، بين يدي أبى عبد اللّه . فخرج بين يدي نحو مائتي غلام وعدت إلى دارى . ولما طلع الفجر جئته عند الإصباح ، وقد جلس في المجلس العامّ ، فرفعني على كلّ من بحضرته ، وقرّظنى تقريظا كثيرا ، ووصفني وصفا جميلا ، حتى علم الحاضرون صلاح رأيه ، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمّال النواحي بصيانة ضياعي ، وإعزاز وكلائى ، وإمضاء رسومى ، ووقّع إلى كتّاب الدواوين بإبطال ما ثبت فيها من الزيادة علىّ ، ونقص معاملاتى ، فدعوت له وشكرته ، وقمت ، فقال : يا غلمان ، بين يديه . فخرج الحجّاب يجرّون سيوفهم ، والناس يشاهدونهم ، ورجع جاهى واستقامت أموري . فما حدّثت بذلك إلا بعد القبض عليه . قال القاضي أبو علىّ : فقال لي أبو علىّ بن الجصاص عند استتمامه لهذا الحديث : فهل فعل أبى ما فعله « 1 » مما يليق بما يقال فيه ويحكى عنه ؟ قلت : لا . قال : فكانت له في تلك المقالات والحماقات المرويّة - إن كانت حقا - أغراض غير معروفة « 2 » .

--> ( 1 ) ما فعله : أي الذي فعله . وفي أخبار الحمقى : هل هذا فعل من يحكى عنه تلك الحكايات . ( 2 ) يذكر ابن الجوزي في أخبار المغفلين ص 33 أنه ما كان إلا من أدهى الناس ولكنه يطلق بحضرة الوزراء قريبا مما يحكى عنه « أي من أنواع الحمق والغفلة » لسلامة طبع فيه ولأنه كان يحب أن يصون نفسه عندهم بصورة الأبله لنأمنه الوزراء لكثرة خلواته بالخلفاء .